الرباط – ما تزال نسخة كأس العالم 1990، التي أجريت بإيطاليا، محفورة في الذاكرة الكروية بسبب حدتها ومفاجآتها، وأيضا بفضل الإنجاز التاريخي لمنتخب الكاميرون. فللمرة الأولى في تاريخ المسابقة، تصل دولة أفريقية إلى ربع النهائي، مما شكل حينها نقطة تحول كبرى لكرة القدم في القارة السمراء بأكملها.
ومنذ مباراة الافتتاح، وجّهت الكاميرون ضربة قوية بفوزها على الأرجنتين، حاملة اللقب العالمي. ورغم إكمالهم المباراة بتسعة لاعبين فقط، انتصر “أسود تيرانجا” بفضل هدف أومام بيك. هذا الفوز غير المتوقع دشن مسارا استثنائيا جذب أنظار العالم أجمع.
وكان رمز تلك المغامرة روجيه ميلا. فقد أصبح هذا المهاجم، وعمره حينها 38 سنة، أيقونة كروية بفضل أدائه الحاسم في المباريات وأهدافه الهامة، خاصة أمام رومانيا في دور المجموعات، وكولومبيا في ثمن النهائي. وأصبحت احتفالاته، التي كانت عبارة عن رقصة مبهجة قرب راية الزاوية، الصورة الأكثر رمزية للبطولة والتجسيد الأسمى لعفوية وشغف كرة القدم الأفريقية.
توقف قطار الكاميرون في ربع النهائي أمام إنجلترا، بعد مباراة مثيرة (3-2 بعد الشوطين الإضافيين). ورغم هذا الإقصاء، فقد غادر “أسود تيرانجا” المنافسة برؤوس مرفوعة وفتحوا الطريق أمام الأجيال الإفريقية القادمة.
وبعيدا عن تلك الملحمة الكروية، اتسمت البطولة في العموم بأسلوب لعب دفاعي، مع معدل أهداف منخفض نسبيا. وهيمنت القوى الأوروبية الكبرى على المنافسة، حيث حققت إيطاليا، البلد المضيف، مسارا متماسكا لكنها خسرت في نصف النهائي.
جمعت المباراة النهائية بين ألمانيا الغربية وأرجنتين دييغو مارادونا. وفي مباراة مغلقة ومتوترة، فازت ألمانيا 1-0 بفضل ركلة جزاء سجلها أندرياس بريمه في نهاية اللقاء. منح هذا النجاح لألمانيا الغربية لقبها العالمي الثالث وشكل ثأرا لخسارة نهائي 1986.
وهكذا، يظل مونديال 1990 نسخة متناقضة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فمن جهة، هناك كرة قدم حذرة وتكتيكية، ومن جهة أخرى، قصة لا تنسى صنعتها الكاميرون وروجيه ميلا. كما أثبتت تلك النسخة أن كرة القدم يمكن أن تتجاوز التراتبية القائمة وتقدم لحظات من الفرح العالمي.
إن مسار الكاميرون، يتجاوز كونه مجرد إنجاز رياضي، فهو يرمز إلى بزوغ فجر كرة القدم الأفريقية على الساحة العالمية، ألهمت أجيالا كاملة وتركت بصمة لا تمحى في تاريخ اللعبة.