نيوجيرسي – هناك ملاعب تكتفي بأن تكون مجرد مسرح عابر لاحتضان المباريات، بينما تُخلد أخرى إسمها في تاريخ الساحرة المستديرة. ومنذ انطلاق منافسات مونديال 2026، انتصب ملعب نيويورك نيوجيرسي معلما شامخا في هذه النسخة، ومزارا استثنائيا لاحتضنا المواعيد الكبرى، حيث يذوب سحر الأداء في بوتقة الشغف، وتلتهب حناجر الجماهير بحماس لا يهدأ.
ولم تكد تمضي سوى أيام قلائل على احتضانه لواحد من أشرس الصدامات المرتقبة في الدور الأول بين المغرب والبرازيل، حتى عادت جنبات هذا الصرح الأمريكي العتيد لترتج من جديد أمس الثلاثاء، على إيقاع مواجهة قوية أخرى جمعت بين فرنسا والسنغال.
هما مواجهتان اختلفنا في تفاصيل الحكاية، لكن وحدهما سيل الاندفاع الجارف وعمق الشغف الذي أوقد نيران الحماس في الصدور.
فأمام سحرة البرازيل، قدم “أسود الأطلس” لوحة كروية جميلة، وواجهوا كتيبة السيليساو بندية في ملحمة ازدانت بلمسات فنية فائقة الروعة. هناك، ارتوى عشاق اللعب الجميل حينما رسمت المدرجات التي غصت بأكثر من ثمانين ألف متفرج مشهدا أسطوريا يليق بأعظم المحافل العالمية.
أما يوم الاثنين، فلم يقل المشهد روعة وبهاء، إذ تقاطر أكثر من ثمانين ألف مشجع، جلهم من مشجعي “الديكة” الفرنسية، في احتفالية صاخبة رافقت كل تفصيلة من تفاصيل الصراع الفرنسي السنغالي. وبفضل شوط ثان تجلى فيه النضج التكتيكي في أبهى صوره، وجهت الكتيبة الفرنسية رسالة واضحة مفادها أنها لم تشارك في هذا المونديال إلا بنية معانقة المجد. فقد أظهر رجال ديدييه ديشامب جرأة أكبر ودقة متناهية وفعالية في الأمتار الأخيرة، أحكموا بها قبضتهم على مجريات اللقاء.
وفي طليعة هذا الزحف الهادر، عاد كيليان مبابي لينثر إبداعاته مستعرضا علو كعبه. وبفضل نجاعته الهجومية المعهودة، أكد النجم الفرنسي مرة أخرى أنه قناص من طينة نادرة، بعدما ساهمت لمساته الدقيقة أمام المرمى في تعبيد طريق النصر لرفاقه.
فبين سحر النزال الأول وصخب المواجهة الثانية، يرسخ ملعب نيويورك نيوجيرسي مكانته كجوهرة متفردة ترصع تاج هذه البطولة، وصرحا مهيبا تتناغم في أرجائه معاني الشغف الحقيقي والمشاعر الجارفة، والطموحات التي تعانق عنان السماء.