(من مبعوثي الوكالة ببوسطن)
بوسطن – منذ تلك الأمسية في الثالث والعشرين من يونيو 1998 بملعب جوفروي غيشار في سانت إتيان، والانتصار الباهر على منتخب اسكتلندا بثلاثية نظيفة، لم تعد النخبة المغربية كما كانت، بل تغير وجهها ومكانتها، وقبل كل شيء، أبعاد طموحاتها.
كان المغرب حينها يسحر المتابعين على فترات، لكنه كان يفتقر يومها إلى الاستمرارية لكي يقطع خطوة حاسمة إلى الأمام على الساحة العالمية. ورغم ذلك، سيبقى مونديال فرنسا بمثابة نقطة انطلاق رمزية.
قدم “أسود الأطلس” في تلك النسخة عروضا كروية جيدة، أثمرت تعادلا مثيرا أمام النرويج (2-2)، وأداء جريئا رغم الخسارة أمام البرازيل (3-0)، وقبل كل شيء، تركوا انطباعا راسخا بوجود طاقة كامنة. ومن سخرية القدر القاسية، وبينما بدا الأمل في التأهل حقيقيا، جاء الفوز المفاجئ للنرويج على البرازيل (2-1) ليحكم بإقصاء المغرب.. لقد كانت خيبة الأمل تلك بمثابة نقطة انطلاق حقيقية!
بعد نسخة 1998، مر المغرب بفترة غياب طويلة عن الساحة العالمية. وبعد مرور عشرين سنة، وتحديدا في روسيا 2018، عادت النخبة الوطنية أخيرا إلى المشهد المونديالي تحت قيادة هيرفي رونار. وأظهر المغاربة في مجموعة بالغة الصعوبة شجاعة لافتة وجودة لعب عالية، خاصة أمام البرتغال وإسبانيا، غير أنهم ودعوا المنافسة من الدور الأول. لقد كانت تجربة غنية، لكن الانتظار استمر.
أما المنعطف الحقيقي فجاء بعد أربع سنوات في قطر. فالمغرب لم يكتف حينها المرة بمجرد المشاركة، بل بصم على تاريخ جديد. فقد تصدر مجموعته متفوقا على كرواتيا وبلجيكا وكندا، قالبا بذلك موازين القوى الكروية السائدة حينها. ثم توالت الإنجازات. سقطت إسبانيا، ولحقت بها البرتغال، ليصبح المغرب أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ الدور نصف النهائي لكأس العالم.
إن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة جيل بأكمله ومشروع كروي متكامل. فالمغرب لم يعد ذلك المنتخب الذي يصنع المفاجأة فحسب، بل تحول إلى أمة كروية وازنة تحظى بالاحترام، قادرة على مقارعة كبرى المنتخبات العالمية والإطاحة بها، بفضل انضباط عناصره وتنظيمهم وموهبتهم.
وفي غضون ذلك، لم تتذوق اسكتلندا طعم المشاركة المونديالية منذ المواجهة التي جمعتها بالمغاربة سنة 1998. وهي فترة غياب طويلة تتناقض تماما مع موجة الصعود المتواصل لـ “أسود الأطلس”.
لم يعد المغرب اليوم يأتي إلى المونديال من أجل التعلم، بل يأتي لفرض وجوده ونفوذه بين الكبار، ولم لا ملامسة آفاق أرحب تتجاوز سقف طموحاته السابقة.
ففي مواجهة البرازيل لم يترك المغرب مجالا للصدفة، ولا لتكرار سيناريو 1998. فقد رد “أسود الأطلس” هذه المرة بنضج وندية لم يشهد لهما التاريخ مثيلا في مواجهات المنتخبين منذ مونديال فرنسا. وفي الوقت الذي نجحت فيه البرازيل حينها في فرض سيطرتها ووأد الآمال المغربية، جاء السيناريو مختلفا تماما هذه المرة.